الشيخ محمد السبزواري النجفي
8
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ : إشارة إلى الصّنفين من المؤمنين . وكلمة عَلى في هذه الآية للاستعلاء ، ومعناه تشبيه تمسّكهم بالهدى أو ثباتهم عليه باعتلاء الراكب مركوبه وتسلّطه عليه ولصوقه به . ونكّر هُدىً هاهنا للتعظيم ، مِنْ رَبِّهِمْ تأكيد لتعظيمه لأنه ممنوح منه ، وليس هو إلّا اللّطف والتوفيق . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تكرير الإشارة لفائدة اختصاصهم وتميّزهم بالميزتين عن غيرهم . 6 - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا : لما ذكر سبحانه أولياءه بصفاتهم الموجبة لهم وهي الهدى والفلاح ، أتبعهم بأضدادهم : أي الكفرة العتاة الذين لا يتناهون عن منكر ولا ينتفعون بالتبشير والإنذار . سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ سواء : اسم بمعنى الاستواء . والإنذار هو التخويف من العقاب مطلقا . والمراد منه هنا التخويف من عقاب اللَّه تعالى . لا يُؤْمِنُونَ جملة مؤكّدة لما قبلها فلا محلّ لها من الإعراب ، أو هي حال من ضمير عليهم أيضا مؤكّد . وهذا الإخبار منه تعالى لا ينافي قدرتهم على الإيمان ، لأنه سبحانه يخبر عن علمه بحالهم وعاقبة أمرهم . وعلم اللَّه بعدم إيمان شخص لا يسلب قدرة الشخص ، كما أن علمه بإيمانه لا يجبره عليه ، فلا يكون تكليفهم به تكليفا بما لا يطاق . 7 - خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ . . . الختم أخو الكتم . وعن الرضا ( ع ) : هو الطّبع على قلوب الكفّار عقوبة على كفرهم ، كما قال تعالى : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ أي غطاء . وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ والعذاب كالنّكال زنة ومعنى ، ثم سمّي به كلّ ألم فادح وإن لم يكن نكالا أي عقابا . و ( العظيم ) نقيض الحقير ، كالكبير نقيض الصغير . 8 - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا . . . وهم الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان . بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ تكرّر الباء لادّعاء الإيمان بكل واحد على الأصالة وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ تكذيب لقولهم : آمنّا ، على ما حكى عزّ وجلّ في صدر هذه الآية . والمراد ب ( من ) الموصولة : ابن أبي سلول وأضرابه كمعتب بن قسمير ، وجماعة أخرى كانوا مع هؤلاء . 9 - يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . الخدع ( بالفتح والكسر ) الختل ، وهو أن يظهر للغير خلاف ما يخفيه ، وما يريد به من المكروه ، وأصل معناه الإخفاء . ومعنى المخادعة أن يعملوا معهم معاملة المخادع من إبطال كفرهم وإظهار الإسلام لديهم . وإنما أضاف مخادعة الرسول إليه تعالى لأن مخادعته ترجع إلى مخادعة اللَّه كما قال عزّ وجلّ : إنّ الذين يبايعونك إنّما يبايعون اللَّه ، والمخادعة مع المؤمنين هو إيذاؤهم بخديعتهم وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أي ما يضرّون بتلك الخديعة أحدا وإنما يرجع وبال ذلك عليهم دنيا وآخرة وَما يَشْعُرُونَ أي : وما يحسّون . 10 - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ . . . أي شك ونفاق . ووجه تسمية الشك بالمرض أنّ الشك تردّد بين أمرين ، والمريض مردّد بين الحياة والممات . ويمكن أن تكون إخبارا بأن القلوب المريضة - بطبعها - يزداد المرض فيها لضعفها ولكونها مستعدة له كالأمزجة الضعيفة إذا ابتلت بالمرض . فلما لم يكن فيها استعداد لمقاومة المرض ينمو فيها المرض ويصير مزمنا ثم يؤدي إلى الموت . فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بحيث تاهت قلوبهم وكادت أن تذوب في الدنيا ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة أي مؤلم موجع غاية الإيلام بِما كانُوا يَكْذِبُونَ بمقالتهم آمنّا . ولفظ ( كان ) للاستمرار . 11 - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ : بإظهار الشّقاق والنفاق بين المسلمين قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أي ليس شأننا إلّا الإصلاح . وقد حصروا أمرهم في الإصلاح لتصوّرهم الفساد إصلاحا لمرض قلوبهم . 12 - أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ . . . ردّ لدعواهم الكاذبة . وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ بكونهم مفسدين مع غاية ظهور فسادهم الذي هو كالشئ المحسوس ، ولكنّ حبّ الشيء يعمي ويصم . 13 - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا . . . وقد نصحوا بأمرين مكملين لإيمان العبد ، الأول : ترك الرذائل في قوله سبحانه : ولا تفسدوا . والثاني : اكتساب الفضائل بقوله تعالى آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ يراد به النبيّ ( ص ) ومن آمن من أصحابه الخلّص . قالُوا في الجواب أو فيما بينهم : أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ . استفهام إنكاري . ولام السفهاء للعهد . والمعهود هم الناس الذين آمنوا مع الرسول ( ص ) المذلّون أنفسهم لمحمد ( ص ) . والسفه هو ضعف الرأي والخفّة في العقل . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ إنهم سفهاء ، أي أخفّاء العقول أراذل . وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ أي يجهلون سفاهتهم . ومن نفي عنهم العلم والشعور فأولئك كالأنعام ، بل هم أضلّ . 14 - وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا . . . هذا البيان تثبيت لكونهم منافقين ، لأن صاحب اللسانين هو الذي يقال له المنافق ، وهو أيضا بيان لصنعهم مع المؤمنين والكفّار ، أي إذا رأوا المؤمنين قالُوا آمَنَّا بما آمنتم به وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ أي انفردوا بإخوانهم من المنافقين الذين